أصبح تنظيم الرعاية الاجتماعية أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات العامة في إسبانيا وأمريكا اللاتينية. ففي إسبانيا، أدخلت التعديلات الأخيرة على قانون الإعالة وقانون الإعاقة، التي أقرها مجلس النواب في 16 يوليو/تموز، تغييرات جوهرية على نموذج الرعاية، بينما تطالب منظمات المجتمع المدني في المكسيك باستثمارات أكبر بكثير لتطبيق نظام وطني ظل حبراً على ورق لسنوات. ويشترك كلا الوضعين في التشخيص نفسه: لا يمكن استدامة الرعاية دون تمويل كافٍ وظروف عمل لائقة.
يُعزز الإصلاح الإسباني، الذي أشادت به المنصة الاجتماعية في قشتالة وليون، الرعاية المنزلية، ويُوسع نطاق المساعدة الشخصية ودعم السكن، ويُحسّن حماية الأطفال دون سن السادسة. كما يُدخل تعديلات ضريبية تُخفف العبء المالي على الأسر، ويُلغي قواعد عدم التوافق بين المزايا، مما يُتيح مرونة أكبر في اختيار الخدمات. بالتوازي مع ذلك، تم تقليص الحد الأقصى لوقت معالجة الطلبات إلى ثلاثة أشهر، واستُحدثت جهة اتصال واحدة لإدارة المزايا، وهي خطوة مُبشّرة بالقضاء على جزء كبير من البيروقراطية التي لطالما أعاقت النظام.
يشمل القانون شخصية مقدم الرعاية
من أبرز إنجازات الإصلاح الاعتراف الصريح بمقدم الرعاية الأساسي، وهو الشخص الذي يدعم النظام عمليًا ولكنه كان يفتقر حتى الآن إلى الدعم القانوني المحدد. سيتمتع هذا الشخص بالحق في الحصول على المعلومات والتدريب والدعم، بالإضافة إلى تدابير تضمن استمرارية الرعاية في حالة المرض الخطير أو دخول المستشفى. مع ذلك، تحذر منظمات مقدمي الرعاية من أن الاعتراف القانوني لا يحل بعد قضايا مثل الأجور، ومساهمات الضمان الاجتماعي، أو التقاعد المبكر.

يتضمن الإصلاح أيضاً المادة 35 مكرر الجديدة بشأن جودة العمل، والتي تنص على وضع معايير لضمان توفير عدد كافٍ من الموظفين في المراكز، وتتيح تقييم مؤشرات مثل الرواتب وساعات العمل والتوظيف المؤقت، مصنفة حسب الجنس والعمر والأصل وملكية الخدمة. تُعد هذه خطوة هامة نحو تحسين ظروف العمل في قطاع لطالما اتسم بعدم الاستقرار وهيمنة النساء، إلا أن تطويرها التنظيمي سيكون أساسياً لضمان عدم بقائها مجرد بيان نوايا.
مزيد من الحماية وتكاليف ضريبية أقل للعائلات
على الصعيد الاقتصادي، يُوسّع الإصلاح نطاق المزايا المعفاة من ضريبة الدخل، لتشمل تلك المتعلقة برعاية الأسرة، والمساعدة الشخصية، ودعم السكن. كما ينص على أن المساعدات الاجتماعية الطارئة التي تهدف إلى تغطية الاحتياجات الأساسية لن تُعتبر إعانات، وبالتالي لن تخضع للضريبة كأرباح رأسمالية. علاوة على ذلك، تُعتبر الخدمات الاجتماعية خدمات أساسية، وهو تغيير في وضعها قد يكون له آثار بالغة على تمويلها والتزام السلطات العامة بضمانها.
ومن الجوانب الرئيسية الأخرى إنشاء فريق عمل حكومي معني بتمويل واستدامة نظام الرعاية طويلة الأجل، والذي سيتولى تحليل الاحتياجات الاقتصادية الفعلية ووضع معايير لتحديد الإنفاق. ويقترح الإصلاح أن تكون مساهمة الأقاليم ذات الحكم الذاتي مساوية على الأقل لمساهمة الحكومة المركزية ، بهدف الوصول إلى تمويل حكومي بنسبة 50%. وتُعد هذه النقطة من أكثر النقاط ترقبًا، إذ لطالما شكلت الفجوة بين الحقوق المعترف بها والموارد المتاحة انتقادًا للنظام.

التحدي المكسيكي: ميزانية غير كافية ومسؤولية مشتركة معلقة
على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تواجه المكسيك تحديًا مماثلًا، بل وفجوة أكبر. فبحسب التحالف المنظم للاجتماع الوطني "مستقبل الرعاية في المكسيك"، الذي يضم عشر منظمات وطنية ودولية، فإن الميزانية الحالية غير كافية لبناء نظام رعاية صحية شامل. وبحلول عام 2026، لا تتجاوز النفقات العامة المتوقعة على البرامج الفيدرالية المتعلقة بالرعاية الصحية 1,21% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم أقل بكثير من نسبة 2,9% التي تقدرها منظمة العمل الدولية باعتبارها ضرورية للاستثمار العام الكافي.
تشير التقارير إلى أن تسعة من كل عشرة أشخاص من ذوي الإعاقة لا يحصلون على الرعاية المتخصصة، وأن 2% فقط من الخدمات العامة موجهة لكبار السن. علاوة على ذلك، فإن الوضع الوظيفي الهش للعاملين في مجال الرعاية مثير للقلق: إذ لا يحصل سوى اثنان من كل مئة عامل منزلي على الضمان الاجتماعي، ولا يحصل سبعة من كل عشرة على أي مزايا تتجاوز أجورهم. ويُعدّ غياب حقوق العمل لمقدمي الرعاية حالة طارئة ، لا سيما في ظل التوقعات بأن يكون قطاع الرعاية من أكبر القطاعات الموفرة للوظائف في العقود القادمة.

المسؤولية المشتركة كمحور تحويلي
في كل من إسبانيا والمكسيك، أبرز النقاش الدائر حول رعاية المسنين ضرورة تغيير الأعراف الثقافية التي لطالما أسندت هذه المهمة إلى النساء. وتُعدّ المسؤولية المشتركة بين الرجال والأسر والدولة والقطاع الخاص والمجتمع ركيزة أساسية في المقترحات المطروحة. في المكسيك، دعا التحالف جميع مستويات الحكومة الثلاثة، والمشرعين، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص إلى توحيد الجهود لترسيخ نظام وطني، بهدف بناء سياسة عامة طويلة الأمد تضمن رعاية المسنين كحق مكفول ومسؤولية جماعية.
على الصعيد الإقليمي، عززت أمانة الرعاية الوطنية في أوروغواي والمعهد الوطني للإعاقة (INADIS) تبادل الآراء حول تحديات بناء أنظمة دعم ورعاية شاملة تعزز استقلالية الأشخاص ذوي الإعاقة. وخلال الاجتماع السادس للمؤتمر الإقليمي للسكان والتنمية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، الذي نظمته اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (ECLAC)، أشارت فالنتينا بيروتا، نائبة مدير أمانة الرعاية الوطنية، إلى ضرورة "التحول نحو أنظمة الرعاية، ولكن أيضاً، وقبل كل شيء، نحو أنظمة دعم لاتخاذ القرارات بشكل مستقل". ويُطالب بهذا التحول في الخطاب والنهج أيضاً في بلدان أخرى بالمنطقة.
يتضمن الإصلاح الإسباني، من جانبه، تدابير محددة للأشخاص ذوي الإعاقة، مثل حق الوصول الشامل، ودور الميسر الإجرائي، والالتزام بصياغة قانون مستقبلي بشأن مهن التدخل الاجتماعي. كما يُدخل تدابير حماية للنساء والفتيات ذوات الإعاقة، ويُلزم بتقييم مستمر لأثر السياسات على النوع الاجتماعي. تشير هذه التطورات، إلى جانب تقليل البيروقراطية وتحسين ظروف العمل، إلى تحول في توجه النظام نحو: زيادة الرعاية المنزلية، وتعزيز القدرة على دمج خدمات الدعم، والاعتراف الحقيقي بمقدمي الرعاية.
مع ذلك، في كل من إسبانيا والمكسيك، لا تزال العديد من هذه التدابير بحاجة إلى تطوير تنظيمي واتفاقيات بين الهيئات الحكومية لتصبح حقوقًا فعّالة. ويظل التمويل التحدي الأكبر، ولا تزال الفجوة شاسعة بين ما تنص عليه القوانين وما تحصل عليه الأسر فعليًا. إن الطريق نحو نظام رعاية يضمن استقلالية ومساواة وكرامة كل من مقدمي الرعاية ومتلقيها طويل، لكن الإصلاحات الأخيرة وضغوط المجتمع المدني نجحت في وضعه في صميم الأجندة السياسية.

إنّ ترسيخ نظام رعاية شامل ومستدام ليس ضرباً من الخيال، بل يتطلب إرادة سياسية، واستثماراً متواصلاً، وتغييراً ثقافياً عميقاً. تتفق الإصلاحات التي أُقرت في إسبانيا مع مطالب المنظمات في المكسيك على نقطة جوهرية: الرعاية حقٌّ وليست منّة، ولا يمكن أن يبقى تنظيمها مُلقى على عاتق النساء وحدهن . يكمن التحدي الآن في ترجمة القوانين إلى واقع ملموس، بميزانيات كافية، وخدمات متاحة، وظروف عمل لائقة لمن يُساهمون في استمرار الحياة.

