نوم الأطفال في السيارة: مأساة متكررة يمكن تجنبها

  • إن نسيان الأطفال في السيارات يتسبب في عشرات الوفيات كل عام بسبب ارتفاع درجة حرارة الجسم، مع وجود حالات حديثة في إسبانيا وإيطاليا والولايات المتحدة.
  • إن ما يسمى بـ "متلازمة الطفل المنسي" هو خلل في الذاكرة يحدث بسبب الإجهاد أو التغييرات في الروتين أو عوامل التشتيت، وهو ليس عملاً متعمداً.
  • إيطاليا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي لديها قانون يلزم باستخدام أجهزة منع التخلي عن الأطفال في مقاعد السيارات المخصصة للأطفال، بينما لا يوجد تنظيم مماثل في إسبانيا وبقية أوروبا.
  • يوصي الخبراء بوضع إجراءات تسجيل الوصول، ووضع الأغراض الشخصية في المقعد الخلفي، واستخدام أجهزة الإنذار أو أجهزة الاستشعار لمنع هذه المآسي.

طفل نائم في مقعد السيارة

في الثالث عشر من أغسطس/آب عام 2026، في ماديسونفيل بولاية كنتاكي الأمريكية، نسيت الطبيبة ستايسي فازينباكر، البالغة من العمر 61 عامًا، حفيدتها سكوتي غوين كرويل، البالغة من العمر عشرة أشهر، في المقعد الخلفي لسيارتها الفولفو. بقيت الطفلة داخل السيارة لأكثر من ثماني ساعات في حرارة خانقة، حيث تجاوزت درجات الحرارة 46 درجة مئوية. وعندما أدركت الجدة خطأها، كان الأوان قد فات: فقد توفيت الطفلة نتيجة انخفاض حاد في درجة حرارة جسمها. هذه الحادثة، التي تصدرت عناوين الأخبار في جميع أنحاء العالم، ليست حادثة معزولة، بل هي مجرد غيض من فيض مأساة متكررة تحصد أرواح عشرات الأطفال كل عام.

في إسبانيا، في 20 مايو/أيار 2026، في بريون (لا كورونيا)، نسي أب ابنته سارة، البالغة من العمر عامين ونصف، داخل السيارة أثناء توجهه إلى العمل. وُجدت الطفلة مصابة بسكتة قلبية وتوفيت رغم محاولات إنعاشها. قبل ذلك بعام واحد فقط، في فالس (تاراغونا)، توفي طفل آخر في نفس العمر بعد أن قضى أكثر من أربع ساعات داخل سيارة والده خلال موجة حر. تكشف هذه الحالات، إلى جانب تلك التي وقعت في إيطاليا وكندا والولايات المتحدة، عن نمط مشترك: النسيان ليس متعمداً، بل هو خلل في الذاكرة يُعرف بمتلازمة نسيان الطفل ، والتي تحدث نتيجة للتوتر أو قلة النوم أو تغييرات في الروتين اليومي.

الآباء والأمهات مع طفل آمن
المادة ذات الصلة:
سلامة الأطفال: كل ما تريد أن تعرفه

يُجري عالم النفس ديفيد دايموند، من جامعة جنوب فلوريدا، أبحاثًا حول هذه الظاهرة منذ سنوات. ووفقًا لدراساته، يمتلك الدماغ البشري نوعين من الذاكرة: الذاكرة التلقائية (التي تتحكم بها العقد القاعدية) والذاكرة المستقبلية، التي تُخطط لأفعال جديدة أو مختلفة (التي يتحكم بها الحصين وشبكات الفص الجبهي). عندما يؤدي الشخص مهمة روتينية، مثل القيادة إلى العمل، تنشط الذاكرة التلقائية، مما قد يُثبط الذاكرة المستقبلية ، فيجعل السائق ينسى تمامًا وجود طفل رضيع في المقعد الخلفي. ويزيد التوتر وقلة النوم والتغييرات الأخيرة في الجدول الزمني من خطر حدوث هذا النسيان.

يُعدّ الأطفال الرضع أكثر عرضةً لمخاطر الحرارة، إذ لا يزال نظام تنظيم حرارة أجسامهم غير مكتمل النمو، وترتفع درجة حرارة أجسامهم أسرع بخمس مرات من البالغين. في سيارة مغلقة، قد ترتفع درجة الحرارة 20 درجة مئوية في غضون 10 دقائق فقط، ما يحوّل السيارة إلى فرن قاتل. تُسبب فرط الحرارة الجفاف، وتلف الخلايا، والنوبات، وفي نهاية المطاف، فشل العديد من الأعضاء وتوقف القلب. في الولايات المتحدة، قدّرت دراسة نُشرت في مجلة "طب الأطفال وصحة الطفل" عام 2019 أن 37 طفلاً يموتون سنوياً في المتوسط ​​لهذا السبب، وأن 55% من هذه الحالات ناتجة عن إهمال غير مقصود من قِبل مقدمي الرعاية.

سلامة الطفل
المادة ذات الصلة:
أهم مفاتيح سلامة الطفل في البيئات المادية والرقمية

إن مأساة بريون وفالس في إسبانيا ليست فريدة من نوعها. ففي إيطاليا، في 18 يوليو/تموز 2024، توفيت طفلة تبلغ من العمر عامًا واحدًا في ماركون (البندقية) بعد أن نسيها والدها في السيارة أثناء ذهابه إلى العمل. وذكرت صحيفة " لا ريبوبليكا" أنه تم تسجيل 11 حالة وفاة مماثلة في إيطاليا وحدها. وفي كندا، في عام 2018، توفي كاسيوس بيرلوت، البالغ من العمر ستة أشهر، في مونتريال عندما تركه والده في موقف سيارات مكتبه؛ كانت درجة الحرارة الخارجية 25 درجة مئوية فقط، لكنها كانت كافية لقتله داخل السيارة. وفي الولايات المتحدة، تُظهر حالات مثل حالة صوفيا راين كافاليرو في تكساس (2012) أو توأم ماكدانيال في ساوث كارولينا (2021) أنه لا توجد عائلة بمنأى عن هذا الخطأ ، بغض النظر عن مستواها التعليمي أو المهني.

في تكساس، أسست كريستي ريفز، والدة صوفيا، منظمة "تعهد راي راي" ونجحت في الضغط من أجل سن قانون يُلزم المستشفيات بتوعية الآباء الجدد بمخاطر ترك الطفل في السيارة. وفي عام ٢٠١٢، أنجبت كريستي توأمين مرة أخرى، واستخدمت تطبيقًا على نظام أندرويد لمراقبتهما، مما وفر لهما حماية شبه كاملة. تُجسد قصتها كيف يمكن تحويل الألم إلى وقاية.

إيطاليا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي سنّت تشريعًا بهذا الشأن. فمنذ 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أصبح استخدام أجهزة منع التخلي عن الأطفال في مقاعد السيارات إلزاميًا للأطفال دون سن الرابعة. هذه الأنظمة، التي عادةً ما تكون عبارة عن مستشعرات وزن مثبتة في المقعد، تُصدر إنذارًا صوتيًا ومرئيًا عندما يبتعد السائق عن السيارة والطفل بداخلها. أما الطرازات الأكثر تطورًا، فترسل إشعارًا إلى هاتف الشخص البالغ، وفي حال عدم الرد، تُرسل تنبيهًا إلى جهات اتصال أخرى مُعدّة مسبقًا. وقد أوصى البرلمان الأوروبي بتشجيع استخدامها، لكنه لم يضع لوائح موحدة في هذا الشأن.

المادة ذات الصلة:
الوقاية من غرق الأطفال: دليل شامل لسلامة المنزل والمسبح

تُدمج بعض شركات تصنيع السيارات، مثل فولفو وجنرال موتورز، أنظمة استشعار وجود ركاب في المقاعد الخلفية، مثل نظام تنبيه المقعد الخلفي ، الذي يُنبه السائق عند إطفاء المحرك. مع ذلك، تعتمد هذه الأنظمة على انتباه الشخص البالغ للوحة القيادة، وهو أمر لا يحدث دائمًا. لذا، يُشدد الخبراء على ضرورة الجمع بين التكنولوجيا والعادات البسيطة: كترك الهاتف أو الحقيبة في المقعد الخلفي، وفتح الباب الخلفي دائمًا قبل مغادرة السيارة، أو وضع روتين للتواصل مع الحضانة أو المدرسة.

أصبحت عالمة النفس أناييس بيرلو، والدة كاسيوس، ناشطةً بعد وفاة ابنها. في مقابلةٍ لها، اعترفت بأنها كانت غاضبةً من زوجها لفترةٍ طويلة، لكنها أدركت في النهاية أنه كان حادثًا. تُكرّس الآن حياتها لرفع مستوى الوعي بين الآباء الآخرين: "من المهم أن يعرفوا أن هذا قد يحدث لهم. لم أكن لأتخيل شيئًا كهذا قبل أن يحدث لنا ". تُظهر شهادتها، إلى جانب شهادات عائلاتٍ أخرى، أن الأحكام المجتمعية لا تُسهم في منع هذه المآسي؛ بل التعليم والتكنولوجيا هما الحل.

في نهاية المطاف، يُعدّ موت طفل رضيع يُنسى في السيارة من أكثر المآسي التي يُمكن تجنّبها وأكثرها فتكًا. تشترك حالات في إسبانيا وإيطاليا وبقية أنحاء العالم في نمط واحد: شخص بالغ مسؤول، واضطراب في الروتين اليومي، ولحظة نسيان قاتلة. يكمن الحل في الجمع بين التوعية العامة، وتطبيق أنظمة السلامة الإلزامية، وتبنّي عادات تجعل نسيان طفل في المقعد الخلفي أمرًا شبه مستحيل. فكما تُظهر الإحصاءات، لا أحد بمنأى عن هذا الخطأ، ولا ينبغي أن تعتمد حياة الطفل على ذاكرة شخص بالغ.


أضف كمصدر مفضل في جوجل